لم تعد الاستعانة بالحكام الأجانب في دوري روشن السعودي مجرد خيار تلجأ إليه الأندية في المباريات الكبرى، بل أصبحت مطلباً يتكرر مع كل مواجهة جماهيرية، وكأن نجاح المباراة وضمان العدالة التحكيمية لا يتحققان إلا بوجود طاقم قادم من أوروبا. وهنا يبرز سؤال: هل أصبحت الاستعانة بالحكم الأجنبي ضرورة فعلية، أم أن الوقت حان لإعادة النظر في منح الحكم العربي والخليجي من فئة النخبة فرصة أكبر لإثبات قدراته؟
لا أحد ينكر أهمية الاستعانة بالحكام الأجانب، ولا يمكن التقليل من قيمة الخبرات التحكيمية العالمية، خصوصاً في المباريات التي تحظى بمتابعة جماهيرية وإعلامية واسعة، لكن الإشكالية تكمن في الاعتقاد بأن كل حكم أوروبي يصل إلى الملاعب السعودية سيكون بالضرورة أفضل من غيره؛ فالجنسية ليست مطلباً أساسياً، واسم الدولة التي ينتمي إليها الحكم لا يمنحه حصانة من الأخطاء أو ضماناً لقيادة المباراة بالصورة المأمولة.
لقد شهدنا في بعض المواجهات الكبرى حضور أطقم تحكيمية أجنبية لم تكن بمستوى تطلعات الأندية والجماهير، وهو ما يعيدنا إلى القضية: ما الفائدة من تحمل تكاليف الاستعانة بطواقم أجنبية إذا لم تكن الجودة التحكيمية متناسبة مع حجم المباراة وأهميتها؟ وهل يكفي أن يكون الحكم أجنبياً حتى نعد اختياره قراراً صائباً؟
إن في دول الخليج العربي كفاءات تحكيمية تستحق أن تكون حاضرة في حسابات لجنة الحكام عند اختيار الأطقم التي تدير مباريات دوري روشن؛ فالحكم الخليجي من فئة النخبة، الذي يمتلك الخبرة والشخصية والقدرة على التعامل مع ضغوط المباريات، يمكن أن يكون خياراً مناسباً لعدد من المواجهات، بدلاً من حصر الخيارات في مدارس تحكيمية أوروبية بعينها.
والحديث هنا لا يعني تفضيل الحكم الخليجي لمجرد أنه خليجي، ولا المطالبة بمنحه المباريات الكبرى دون معايير واضحة، بل الدعوة إلى تقييم يستند إلى الكفاءة والخبرة ومستوى الأداء والقدرة على إدارة المباراة؛ فكما أن هناك حكاماً أجانب متميزين، فهناك أيضاً حكام من الخليج قادرون على تقديم مستويات جيدة متى ما توافرت لهم الثقة والفرصة المناسبة. ومن المهم التمييز بين الاستعانة بحكم أجنبي متميز والاستعانة بحكم أجنبي لمجرد استكمال متطلبات المباراة، وهنا إشارة إلى لجنة الحكام لدينا؛ فالمعيار الحقيقي يجب أن يكون جودة الطاقم، لا جنسيته ولا شهرته ولا البطولة التي اعتاد إدارتها.
عند النظر إلى المشهد التحكيمي في دوري روشن، يبرز الهلال والقادسية ضمن الأندية التي يتكرر حضور الحكم الأجنبي في مبارياتها، وهو ما يفتح باب التساؤل حول مدى فاعلية هذا التوجه ومدى ارتباطه بمستوى الثقة في التحكيم المحلي. وفي مباريات الكلاسيكو والمواجهات ذات الحساسية الجماهيرية، قد تجد بعض الأندية نفسها مضطرة إلى طلب طواقم أجنبية بحثاً عن مزيد من الاطمئنان، غير أن هذا الاطمئنان لا يتحقق بمجرد وصول الحكم من خارج المملكة، بل بقدرته الفعلية على إدارة المباراة واتخاذ القرارات الصحيحة والتعامل مع الضغوط بعدالة واتزان.
وهنا لا بد من التأكيد أن تكرار طلب الحكام الأجانب لا ينبغي أن يتحول إلى دليل على تفوقهم المطلق، كما لا يصح أن يكون سبباً في تهميش الكفاءات العربية والخليجية؛ فالمطلوب هو بناء منظومة اختيار تستند إلى الجودة، وتمنح كل حكم فرصته وفق إمكاناته وسجله وأدائه.
إن تطوير التحكيم في دوري روشن لا يتحقق بالاعتماد المستمر على الاستقطاب ولا بإغلاق الباب أمام الخبرات العالمية، وإنما بتحقيق التوازن بين الاستفادة من أفضل الحكام وتوسيع دائرة الخيارات لتشمل الحكام العرب والخليجيين المؤهلين؛ فدوري روشن اليوم يحظى بمتابعة عالمية، ومبارياته الكبرى تستحق أطقماً تحكيمية على أعلى مستوى. لكن الوصول إلى هذا الهدف لا يعني أن الطريق الوحيد يمر عبر أوروبا، ولا أن كل طاقم أجنبي أفضل بالضرورة من نظيره العربي أو الخليجي
المصدر – جريدة الرياض

