حسم المنتخب الوطني السعودي صراع النسخة السابعة والعشرين من بطولة كأس الخليج العربي «خليجي 27» بنجاح مبهر، معيدًا الكأس الغالية إلى خزائن الديار بعد غياب طويل شارف على العقدين. لم يكن هذا التتويج مجرد إضافة رقمية لسجل البطولات، بل جاء بمثابة شهادة ميلاد جديدة لمنتخب وُلِد من رحم المعاناة الفنية، وتحدى الظروف الضيقة التي سبقت انطلاقة المعترك الخليجي. فقد تسلم المدير الفني اليوناني جورجيوس دونيس مقاليد الإدارة الفنية في توقيت حرج للغاية، مسبوقًا بفترة إعداد قصيرة لم تمنح اللاعبين الوقت الكافي لتشرب أفكاره التكتيكية؛ مما جعل من هذا المنجز قصة كفاح فني تستحق الدراسة والثناء.
من هذا المنطلق الفني، يفرض المنطق تقديم كل عبارات الدعم والإشادة بالجهاز الفني ومجموعة اللاعبين؛ فبناء هوية كروية صلبة لمنتخب وطني يتطلب عادةً سنوات من الاستقرار والانسجام. وما حققه دونيس في أيام معدودة، مستندًا إلى خبرته العريضة وتمرسه الطويل في أروقة دوري روشن للمحترفين، يعكس مرونة تكتيكية عالية وقدرة فائقة على توظيف قدرات اللاعب السعودي بالشكل الأمثل. غير أن العقلانية الكروية تحتم علينا ألا نجعل من أفراح الخليج غشاوة تحجب الرؤية عن الأخطاء والاهتزازات الفنية التي ظهرت في بعض فترات البطولة؛ فالكأس الخليجية يجب أن تكون نقطة انطلاق للتصحيح، وليست محطة نهائية للاكتفاء بالذهب.
إن التحدي الأكبر والأعظم يلوح في الأفق القريب؛ حيث تفصلنا أسابيع قليلة عن بطولة كأس آسيا 2027، والتي ستقام على ملاعبنا وبين جماهيرنا من السابع من يناير وحتى الخامس من فبراير المقبلين. القادم بلا شك سيكون اختبارًا من عيار ثقيل؛ فالملعب الآسيوي يضم صفوة منتخبات القارة التي يمتلك أغلبها باعًا طويلاً في المحافل العالمية ومونديالات كأس العالم، ومدججة بنجوم يمارسون كرة القدم في كبرى الدوريات الأوروبية. هذا الواقع يفرض بالضرورة تحولاً جذرياً في برنامج الإعداد، والانتقال نحو معسكرات ومباريات ودية رفيعة المستوى تضع اللاعبين تحت ضغط فني بدني عالٍ، وتمنح دونيس الفرصة الكاملة لمعالجة الثغرات الدفاعية ورفع وتيرة التجانس الهجومي.
وفي هذا الصدد، يمثل قرار الاتحاد السعودي لكرة القدم الحاسم بتثبيت دونيس في منصبه ومنحه الصلاحيات الكاملة خطوة استراتيجية في غاية الذكاء؛ فالاستقرار الفني هو الوقود الحقيقي لقطار الإنجازات في هذه المرحلة الحساسة.
هدف المنظومة الرياضية السعودية واضح للجميع ولا يقبل المساومة: إبقاء العرش الآسيوي في الرياض واستعادة اللقب القاري الغائب منذ عام 1996، كمحطة رئيسية نحو الهدف الأسمى وهو صياغة حضور تاريخي ومبهر في نهائيات كأس العالم 2030.
إن التلاحم الجماهيري والدعم المطلق للمنتخب في مرحلة الإعداد الحالية هما المبتدأ، والعمل الصبور هو الخبر.. وصقورنا قادرون بإذن الله على كتابة التاريخ مجدداً.
عبدالله بن محمد آل شملان
المصدر – جريدة الرياض

