أكد الدكتور محمد عبدالله العلي، رئيس مجلس إدارة مجموعة «تريندز»، أن تداعيات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، تفرض إعادة النظر في مفاهيم الردع والأمن الإقليمي، وتستدعي تطوير ترتيبات أمنية جديدة وتعزيز التعاون الاستراتيجي، بما يدعم الاستقرار المستدام في الشرق الأوسط.
قال العلي في كلمته الافتتاحية، لأعمال مؤتمر «تريندز» السنوي السادس لعام 2026، الذي انطلقت، أمس الاثنين، في أبوظبي، بعنوان «الأمن المستدام.. مستقبل الشرق الأوسط ما بعد الحرب»، أن التحولات التي شهدتها المنطقة أعادت طرح تساؤلات جوهرية عن مستقبل البنية الأمنية الإقليمية، واتجاهات الشراكات الاستراتيجية والتحالفات، ومدى قدرة الدول على بناء منظومة أكثر مرونة وفاعلية في مواجهة الأزمات.
وأشار إلى أهمية تعزيز أمن الطاقة والتجارة وسلاسل الإمداد، وتحقيق التوازن بين الكفاءة الاقتصادية والاستقلالية الاستراتيجية، والتصدي لتحديات الفضاء المعلوماتي والتنافس على توجيه الرأي العام وصياغة التصورات الدولية خلال الأزمات.
وأوضح أن المنطقة تقف أمام خيارات استراتيجية تراوح بين مزيد من التشرذم وتغليب المصالح الآنية، أو تطوير أشكال جديدة من التعاون القادرة على إرساء استقرار مستدام؛ مشدداً على أهمية الحوار والتحليل العلمي في فهم هذه التحولات واستشراف تداعياتها، وصياغة مقاربات أكثر فاعلية للتعامل مع التحديات المستقبلية.
إرادة سياسية مشتركة
وفي كلمته الرئيسية، أكد الدكتور علي راشد النعيمي، عضو المجلس الوطني الاتحادي ورئيس لجنة شؤون الدفاع والداخلية والخارجية بالمجلس، أن تحقيق الأمن المستدام في الشرق الأوسط يتطلب إرادة سياسية مشتركة، ومعالجة جذور الأزمات، وبناء نظام إقليمي جديد قادر على صناعة السلام وترسيخ الاستقرار.
وأوضح أن فهم التحديات الأمنية الراهنة يستلزم استحضار جذور الأزمات التي أخلّت بأمن المنطقة وأضعفت مقومات الاستقرار فيها. مشيراً إلى تعاقب الصراعات والأزمات، بحيث لا تكاد تنتهي حرب حتى تبدأ أخرى، ما يستدعي معالجة الأسباب الجذرية لهذه الأزمات، بدلاً من الاكتفاء بالتعامل مع تداعياتها.
وشدد على الحاجة إلى قيادات سياسية تؤمن بضرورة العيش المشترك، وتدرك أن تحقيق الأمن والاستقرار يتطلب إشراك جميع الأطراف، من دون إقصاء أو تهميش، لأن الخطاب السياسي كثيراً ما يركز على السلام والشراكات وتعزيز الأمن، غير أن ترجمة هذه المبادئ إلى خطوات عملية تتطلب إرادة سياسية جادة لبناء منطقة ينعم الجميع فيها بالأمن والاستقرار والازدهار.
وأوضح أن وسائل التواصل، يمكن أن تسهم في بناء الجسور وتعزيز التواصل بين الشعوب، لكنها قد تُستخدم أيضاً لتأجيج الخلافات وتعميق الانقسامات.
وأكد ضرورة التحلي بالمصارحة والشفافية في التعامل مع التحديات الإقليمية، ومعالجة جذور المشكلات بدلاً من الاكتفاء بمظاهرها، مشدداً على أن دول المنطقة وشعوبها تتشارك المصير والمستقبل، وأن أمنها واستقرارها مترابطان ولا يمكن تجزئتهما.
آفاق جديدة
وتطرق النعيمي إلى تجربة دولة الإمارات في التعامل مع الصراعات والانقسامات الإقليمية. مشيراً إلى أن القيادة الإماراتية اتخذت قرارات فتحت آفاقاً جديدة للحوار وبناء أرضية مشتركة لتحقيق السلام، بما يخدم الفلسطينيين والإسرائيليين وشعوب المنطقة كافة.
وأوضح أن تجاوز حالة الجمود والانغلاق التي تعوق التسويات يتطلب إرادة سياسية حقيقية وشجاعة في اتخاذ القرارات. والأمن والاستقرار والازدهار منظومة مترابطة، وتحقيقها يستلزم مقاربة شاملة تضم جميع الأطراف الإقليمية. محذراً من التعويل على الإرادة الخارجية وحدها لتحقيق الاستقرار، أو تجاهل الحقائق والتحديات والمخاطر الراهنة، مؤكداً أن مثل هذه المقاربات قد تؤدي إلى استمرار الأزمات وتفاقمها.
وأكد ضرورة بناء نظام إقليمي أمني جديد باحترام سيادة الدول واستقلال قراراتها، ورفض التبعية، وتغليب المصالح الوطنية العليا، وتعزيز التعاون والمسؤولية المشتركة. لأن السلام الحقيقي لا يتحقق بالمواقف المعلنة وحدها، بل يتطلب إرادة سياسية جادة والتزاماً عملياً وشراكة إقليمية شاملة تضمن الأمن والاستقرار وتصون مستقبل شعوب المنطقة.
نظام إقليمي جديد
وأكد السفير مايك والتز، ممثل الولايات المتحدة، لدى الأمم المتحدة، أن اتفاقات أبراهام أساس لنظام إقليمي جديد في الشرق الأوسط، بالقوة والسيادة والتجارة والسلام. والتطورات التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الماضية لم تقوض هذه الاتفاقات، بل عززت الحاجة إليها وأكدت أهميتها في بناء مستقبل أكثر استقراراً. كما أثبتت قدرتها على الصمود أمام التحديات الإقليمية. لافتاً إلى أن الإمارات والبحرين والمغرب وإسرائيل، برهنت على إمكانية تحقيق السلام وتوسيع آفاق التعاون الإقليمي، حتى في ظل استمرار الأزمات والصراعات.
وأشار إلى أن التحولات التي تشهدها المنطقة تعكس تراجع نفوذ إيران وشبكة وكلائها، مقابل تنامي توجهات عدد من الدول نحو استعادة سيادتها الوطنية، وتعزيز علاقاتها الدولية، وتوسيع شراكاتها الاقتصادية والأمنية. ولفت إلى الدعم الدولي لمواجهة الهجمات الإيرانية، واعتماد مجلس الأمن الدولي القرار رقم 2817، الذي دان الهجمات وطالب بوقفها، فضلاً عن اتساع نطاق التأييد الدولي للمواقف الرافضة لاستهداف الملاحة المدنية.
وأكد أن المرحلة المقبلة تتطلب البناء على ما حققته اتفاقات أبراهام وتوسيع نطاق الدول المنضمة إليها، مشيراً إلى أهمية مواصلة الجهود الرامية إلى ترسيخ السلام والاستقرار.
الأمن المستدام
وفي كلمة رئيسية مسجلة، أكد الأدميرال براد كوبر، قائد القيادة المركزية الأمريكية «سنتكوم»، أن تحقيق الأمن المستدام يتطلب بناء منظومات أمنية قوية، وتعزيز الشراكات الإقليمية والدولية، وتطوير آليات العمل المشترك.
وأوضح أن الأمن لا يُقاس بقدرة الدول على التعامل مع الأزمات عند وقوعها فقط، بل بمدى استعدادها لبناء منظومة متكاملة قادرة على ضمان الاستقرار على المدى الطويل أيضاً. لافتاً إلى أن الأمن المستدام يتطلب بناء مؤسسات قوية، وتطوير القيادة المشتركة لمواجهة التحديات الأمنية، لأهمية مواصلة التعاون بين الدول والشركاء الإقليميين والدوليين.
إلى ذلك، أكد مايك بومبيو، وزير الخارجية الأمريكي الأسبق والمدير الأسبق لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية (CIA)، أن تحقيق الأمن المستدام في الشرق الأوسط يتطلب اعتماد ردع فاعل، وبناء شراكات استراتيجية طويلة الأمد، وتعزيز القدرات الدفاعية والتعاون الاستخباراتي والتكنولوجي، مشدداً على أهمية التعامل مع التهديدات الإقليمية، بمعالجة العوامل التي تسهم في نشوئها واستمرارها.
وعبر فيما يتصل بقراءته لطبيعة النظام الإيراني وسلوكه الإقليمي، خلال حوار استراتيجي استضافه مؤتمر «تريندز» السنوي السادس لعام 2026، عن تشككه في إمكانية التعويل على وجود تيار معتدل قادر على تغيير توجهاته الأساسية، ومستنداً في ذلك إلى رؤيته لمسار النظام منذ الثورة الإيرانية عام 1979.
وحذر من الاتفاقات المحدودة أو المؤقتة التي قد تتيح تخفيفاً واسعاً للعقوبات عن طهران مقابل التزامات نووية محددة زمنياً، لأن مثل هذه الترتيبات قد لا تعالج مصادر التوتر الأساسية، وقد تُبقي المنطقة في حالة «لا حرب ولا سلم»، بدلاً من إرساء تسوية تضمن استقراراً طويل الأمد.
مصادر الدعم
وفيما يتعلق بنفوذ إيران في المنطقة، شدد بومبيو على أهمية التعامل مع مصادر الدعم والتمويل التي تستند إليها الجماعات المسلحة المرتبطة بها، معتبراً أن الردع الفاعل لا يقتصر على التصدي للهجمات بعد وقوعها، بل يتطلب أيضاً رفع كلفة السلوك العدائي والحدّ من قدرة الجهات التي تهدد أمن المنطقة على مواصلة أنشطتها؛ مؤكداً أن بناء بيئة أمنية أكثر استدامة يستلزم الجمع بين القدرات الدفاعية والضغط الاستراتيجي والتنسيق بين الحلفاء.
ورأى أن التنافس بين الولايات المتحدة والصين سيظل من الملفات المؤثرة في العلاقات الدولية خلال العقود المقبلة.
كما انتقد الاعتماد على مصادر الطاقة الروسية والإيرانية، مشيراً إلى ما قد ينطوي عليه ذلك من تحديات استراتيجية تتصل باستقلالية القرار السياسي وأمن الإمدادات.
وفيما يتعلق بالوجود العسكري الأمريكي في المنطقة، انتقد بومبيو قرارات الانسحاب السابقة من بعض المواقع الاستراتيجية، مستشهداً بالانسحاب من العراق والانسحاب من قاعدة باغرام في أفغانستان، لأن مثل هذه القرارات قد تفضي إلى فراغات أمنية وتؤثر في حسابات الردع الإقليمي.
وشدد على أهمية الوجود العسكري الأمريكي في الشرق الأوسط ودوره في دعم الشراكات الدفاعية، وتطوير القدرات المشتركة، وتعزيز التنسيق بين القوات الأمريكية والقوات الشريكة.
ورداً على سؤال عن إمكانية خوضه انتخابات الرئاسة الأمريكية لعام 2028 إذا طُلب منه ذلك، أجاب بالإيجاب.
المصدر: جريدة الخليج

