خسارة المنتخب السعودي برباعية نظيفة أمام إسبانيا في مونديال 2026 لم تكن صدمة بقدر ما كانت تذكيرًا قاسيًا بحقيقة نعيشها منذ سنوات. النتيجة الثقيلة لم تنتج أزمة جديدة، بل كشفت أزمة متراكمة تتكرر مع كل بطولة، وكأن الأخضر يسير في حلقة مفرغة من الطموحات العالية والنتائج المخيبة.
صحيح أن السعودية تأهلت لكأس العالم، لكن الطريق كان صعبًا وغير مقنع. احتل المنتخب المركز الثالث في مجموعته بالتصفيات واضطر لخوض مراحل إضافية. أما في السنوات الأخيرة، فالصورة أوضح: خروج من دور الـ16 في كأس آسيا 2023 بركلات الترجيح، ومشاركات متواضعة في كأس العرب وكأس الخليج دون الوصول إلى أدوار متقدمة أو تحقيق أي لقب يُذكر.
الأمر الأكثر إثارة للقلق أن الفوز التاريخي على الأرجنتين في 2022 أعطانا شعورًا زائدًا عن الواقع. كان ذلك الإنجاز لحظة استثنائية رائعة، لكنه لم يكن دليلًا على وجود مشروع كروي متكامل أو جيل جديد قادر على قيادة المستقبل. المنتخب ما زال يعتمد بشكل كبير على نواة اللاعبين الذين حملوا العبء لسنوات، بينما ظهور جيل جديد متماسك يتأخر، ولم يحدث التجديد المنشود الذي ينعش الفريق.
والمفارقة الكبيرة أن السعودية سبقت اليابان في كثير من المحطات. تأهل الأخضر إلى كأس العالم قبل اليابانيين (1994 مقابل 1998)، وتوج بكأس آسيا مرات عدة قبل أن يحقق اليابانيون لقبهم الأول. في تلك الحقبة، كانت السعودية من القوى الآسيوية الكبرى، بينما كانت اليابان لا تزال في طور البناء.
لكن اليابانيين لم يقفوا عند هذا الحد. تجاوزوا السعودية بفضل مشروع طويل المدى بدأ من المدارس والأكاديميات، مرورًا بتطوير المدربين المحليين، وانتهاءً بربط وثيق بين الدوري والمنتخب. أصبحت مشاركاتهم المتتالية في المونديال أمرًا روتينيًا، ووجود لاعبيهم في أوروبا نتيجة طبيعية لمنظومة مدروسة. في هذا المونديال نفسه، يظهرون قوتهم بفوز برباعية على تونس.
أما عندنا، فالمشهد مختلف. تغيير المدربين بشكل متكرر، وقرارات غالبًا ما تأتي كرد فعل على النتائج السيئة، وغياب رؤية فنية إستراتيجية واضحة، كلها أمور أضعفت الاستقرار. رغم الاستثمارات الضخمة في الدوري واستقطاب نجوم عالميين، بقي التأثير على المنتخب محدودًا، ولم يترجم إلى تقدم ملموس.
الجذور الحقيقية للمشكلة تبدأ من القاعدة. الأكاديميات موجودة والمبادرات كثيرة، لكن المخرجات لا تتناسب مع حجم الطموح. المواهب تبرز ثم تتلاشى بسبب نقص الاستمرارية والمنهجية الواضحة في الرعاية طويلة الأمد.
الكرة السعودية لا ينقصها المال ولا الشغف الجماهيري. ما ينقصها هو مشروع كروي حقيقي يضمن التجديد المستمر، يربط بين القاعدة والمنتخب الأول، ويمنح الشباب الفرصة الكاملة لصناعة المستقبل. مقارنة بالمغرب الذي جدد عناصره ووصل بعيدًا في 2022، يظهر الفرق بين التخطيط الذكي والاعتماد على اللحظات العابرة.
خسارة إسبانيا ليست نهاية الطريق، لكنها جرس إنذار. المؤلم ليس أن اليابان تجاوزتنا، بل إننا كنا متقدمين عليها بسنوات، ثم توقفنا عن البناء بينما واصلت هي التقدم بخطى ثابتة. في كرة القدم، من يتوقف عن التطور يجد نفسه متأخرًا عن الجميع.
عيسى المسمار – حائل
المصدر – جريدة الرياض

